الكلمةُ الوردةُ

7 فبراير

كان أول ظهوره من جهة الصحراء مُيمماً شطر البحر، في ليلة قمرية لا تنقصها القدسية؛ إذ كانت الليلة التي يتجدد فيها اعتقاد العامة، كلما حال عليهم حَوْل، بأنه في ليلة مثلها (تنتمي لماضٍ بعيد أو غيب مجهول) يحدث أن الأرض تُكلّمها السماء تكليماً.

أول ما رأوه بدا لهم مثل حاجٍّ وحيد (بسبب الرداء الأبيض المغبّر المطروح بإهمال على كتفه) أو كراعٍ هائم (لأنه كان يتخذ من فرع جافٍّ عصاً يتوكأ عليها) لكن لم يكن مظهره، بل قداسة التوقيت ومهابة السمت اللذان له.. كانا هذان هُما ما اجتذب إليه في البداية فضول العامة ونظراتهم المليّة وهمهماتهم الخافتة، وذلك قبل أن يتعرّفوا فيه هيئة المختارين المتوحدين في الصحراء؛ أولئك الموسومين بالصمت الذي ينذرونه على أنفسهم طوعاً، وبالكلام الذي يكبتون شهوته بداخلهم للأبد؛ يتخذون من الصحراء بيتاً لا يخطون خارج عتباته، وفيها يزرعون قلوبهم كواحات منعزلة لا سبيل إليها إلا بالتوهان. الواحد منهم يكرّس حياته من أجل إنماء وردة واحدة، يدسّ بذرتها في الرمال سنيناً، ويتعهدها بروحه إلى أن يحين أوانها. (وحتى ليلتنا هذه المقدسة، وقد قضى مئات منهم وتمت مواراتهم الرمال مثل بذور ورداتهم تلك، لم يحن بعد الأوان لأي منها)

كانت المرة الأولى التي يُرى فيها واحد من المختارين هنا.. خارج الصحراء (ناهيك عن أن وجودهم هناك، هم وورداتهم الدفينة، يشار إليه كأسطورة متخيلة أكثر منه حقيقة ممكنة، أو كتاريخ بائد ربما لم يبق منه سوى هذا الذي حلّ الآن كقدر مباغت) وقد بدا حوله ما يشبه حضوراً لهالة غير مرئية، تتحرك معه في المكان والزمان، وتتسع كلما تقدّم حثيثاً في مسيرته. على محيط تلك الهالة الخفية، كانت الجموع تزداد كثافتها وأعدادها، مُشكّلة دائرة تتحرك مع المختار لا ينفك مركزها يتنقّل على أثر أقدامه، بينما يتلمّس هو طريقه بتؤدة، لكن مع جلال لا ينبغي إلا لملك منفيّ تخلى عن مُلكه، وبثقة لا يمكن أن تكون لوافد غريب يسير على غير هدى.

ليس الفضول الإنساني المعروف هو ما أضفى الهالة على المختار، ولا الرهبة البشرية المبررة هي ما أوجد بينهم وبينه حَرَماً مقدساً لا يمكن تجاوزه. لقد كان مصدر السحر (في تلك الليلة القمرية التي لا تنقصها القدسية) هو ذلك الشعور بطاقةٍ من الفراغ صاحبت ظهور المختار.. فراغ لا يشبهه شيء إلا العدم، ولا يقدر على اجتيازه البشر ولا على احتوائه الطبيعة، وكان وجود المختار يستحضره في الحيوات والجمادات من حوله، ويجعله يتجلى في أشياء مبهمة تبدو بلا تفسير؛ مثل ذلك الصمت العميق والثقيل الذي يجلّله هو وما حواليه، والذي بدا كأنه صدىً للسكون الكوني منذ الأزل، فلا يتخلله أدنى حس أو صوت إلا وقع عصا المختار المنتظم كدقات القدر.

وربما تكون هالة التفريغ تلك هي التفسير للهدوء المفاجيء للموج والسكون الغامض للريح لحظة أن أهلَّ المختار على شاطئ البحر، تتبعه الجموع في دائرة هو مركزها. وعند صخرة ملساء بلا شائبة يعرفها الجميع، كانت الأنواء والأمواج ـ منذ كان الكون طفلاً ـ قد نحتتها على هيئة كفٍّ ناتئة من الأرض مرفوعة إلى السماء، سيتوقف المختار، ويتجه بنظره تجاه البحر كأنه يشخص إلى ما وراء كل شيء، منتظراً ما لم يجئ، أو مصلياً صلواتٍ لم يؤذن بعد بالاستجابة إليها.

إلى متى دام شخوص المختار وسكون الكون؟ عندما سيحاول العامة، الذين حضروا تلك الليلة، استعادة أحداثها، في مناسبات وأحاديث لا تُحصى بعد ذلك، سيكتشفون إما أن شعورهم بالزمن، في تلك الليلة، كان متفاوتاً جداً من واحد لآخر، بحيث لا يمكن لاثنين منهم أن يتفقا على تقدير معقول للوقت الذي استغرقوه، أو أن الزمن قد توقف فعلاً في جزء من تلك الليلة.. ربما للحظات، أو لساعة من الزمن، ربما استغرقتهم هناك ليال وأيام كاملة؛ فمن يعلم؟ كل ما يعرفونه هو أنه أثناء وقفة المختار هناك وشخوصه إلى الأفق لم يكن يحدث أي شيء، ومع ذلك فقد حدثت أمور فوق الحصر.. هذا التناقض، غير القابل للتفسير، هو ما جعل شعورهم بأنفسهم، وهم يراقبون المختار الشاخص في الفراغ، هو كأنهم خارج الزمن أو مثلما يكونون يحلمون؛ وهو الحلم الذي انتهى على حين غرة، عندما خفض المختار فجأة عينيه المثبتتين في اللاشيء، وخطّ في الرمال بسرعة بضعة خطوط، ثم استدار يغذّ السير بمحاذاة الامتداد اللانهائي للبحر الأبدي، وذلك حتى اختفى تماماً عن الأنظار. فلم يظهر مرة أخرى بعدها أبداً.

هذا ما كان من ذكر تلك الليلة القمرية التي لا تنقصها القدسية، أما ما حدث بعد ذلك فهو أن العامة، عندما تمالكوا أنفسهم وتطلعوا إلى الخطوط التي خطها المختار في الرمال بعد طول شخوص فيما وراء البحر، عجزوا عن فهمها.

أياً كان معنى ما خطّه المختار في الرمال في تلك الليلة، فقد ظل موجوداً لما بعد ذلك بكثير، لا يمحوه الموج الذي يجلبه عليه البحر ولا تذروه الريح التي تهب من الصحراء، لكنه أيضاً ظل عصياً على القراءة عبر الأجيال. فهم لا يذكرون أن ثمة من استطاع أن يميز فيه حروف كلمة من لغة معروفة أو رسماً لشيء موجود في هذا العالم. وهكذا، كما الصخرة الناتئة على هيئة يد مرفوعة للسماء وكما البحر الأبدي، ظلت في مكانها، بلا تفسير، الخطوط التي خطتها (بسرعة) عصا المختار.

ولقد ظلت كذلك طويلاً طويلاً، بحيث صار وجودها مألوفاً مع الأيام، وعابراً بحيث لا يستدعي المزيد من فضول أحد المارة، شأنها شأن الصخرة وشأن البحر نفسيهما. دام ذلك أمداً؛ حتى أتم الزمن دوراته المكتوبة بدقة، وعادت ليلة كتلك الليلة.. قمرية ولا تنقصها القدسية، يتجدد فيها اعتقاد العامة بأنه في ليلة كتلك الليلة الأرض تكلمها السماء. ويقال إنه، في تلك الليلة، بينما يلهو طفل (لم يتلقن بعد لغة الكلام، تركه أبواه يحبو على الشاطئ) تلقى ذلك الطفل قراءة وحيدة للكلمة التي خطها في الرمال ذلك المختار من الصحراء الذي أتى ذات ليلة كتلك الليلة، وعندئذ ابتسم الطفل ابتسامة الأطفال، وانمحت الخطوط من على الرمال مع أول مد، وأزهرت في الصحراء الوردات التي كان قد دفنها مئات المختارين الذين قضوا من زمن بعيد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: