لا-لغة

4 نوفمبر

لا بد أنه، في مكان ما من الكون، توجد لغة ما مُكرسَّة للمعنى لا للحياة… قد تتفاهم بها قبيلة بدائية، في وسط قارة مفقودة لا سبيل إلى اكتشافها.. أو بواسطتها تتواصل سلالة بشرية مهملة، أغفلتها حتى الآن التصنيفات الصارمة لعلم الأحياء.. أو تتحدث بها قافلة بدو ضائعة منذ عصور، ابتلعهم بحر رمال عظيم ولم يخلّف منهم ما قد يمكّن أكثر قصّاصي الأثر فراسة من تتبّعهم.. أو تكون شفرة لجماعة سرية، بها يتبادلون خططهم الطموحة الرامية إلى تغيير التاريخ المقدّر للكون.. أو بها تُتلى النصوص المقدسة لأتباع ديانة مضطهَدة؛ ليضمنوا بها الخلود رغم العذاب والموت المرصوديْن لهم..

لغة لا تُنطق؛ لأن اللفظ فيها ما أن يُلفظ حتى يُنسى ويُفقد إلى الأبد، فلا يمكن استعادته هو أو معناه.. ولا تُكتب؛ لأن كلماتها، إذ تتجاور الواحدة بعد الأخرى، تختلط المعاني ما بينها وتتشوّش، فإما أن يصبح هناك معانٍ لا نهائية ما كان لها أن توجد، أو لا يبقى لها من معنى على الإطلاق.. ولا تُترجم، لأن الترجمة منها تنقل المعنى إلى اللغة التي كانت غريبة عنه ثم تتركها، هي لغته الأصلية، وقد صارت خلواً من ذاك المعنى.

إن الأمل، الذي لا ينقطع، في إمكانية وجود مثل هذه اللغة طالما كان قرين خوف، لا يمكن تجنبه، من أن وجودها قد يلغي وجود لغاتنا كلها.. بل يلغي حتى وجودنا نفسه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: