حرف

4 نوفمبر

ثمة قصة خيالية عن طائفة سرية من مصنفين للمعاجم، يؤمنون بأن الحروف المعروفة تكوّن أبجدية ناقصة شأنها شأن أي شيء أرضي.. وأن الأبجدية الكاملة ينبغي أن تحتوي على حرف مجهول، عصيّ على الكلام أو القراءة، فلا هو منطوق أو مدوّن، لكن فيه تتكثّف كافّة المعاني، وفي ذلك الحرف يتجلّى جوهر الأشياء.. ما أن تقترن به الكلمات الجارية على الألسن حتى يعيد خلق روح المعنى الكامنة فيها، فلا تعود مبتذلة ولا منسية؛ وما أن يلحق بتراكيب الحروف، المشوشة والفوضوية، الخالية من المعنى، والأقرب إلى التهويم أو الجنون، حتى يضفي عليها ظلالاً من العقل ودلائل على نظام للكون؛ ويكفي أن يُظهِر ذلك الحرف نفسه مرة واحدة، في جملة أو فقرة أو حتى كتاب، حتى تفيض منه على سائر الحروف، والكلمات، والعبارات، والكتاب كله، قوة الضبط والانتظام، والتي بها تنحو الألفاظ منحى الوجود بكامله..

وتحكي القصة الخيالية أن هذا الحرف، المفقود منذ الأزل، تم إيجاده (وفقده من جديد) ذات مرة، في لحظة نادرة لا تتكرّر، على يد تلميذ مبتدئ من تلامذة مصنّف شيخ من دهاقنة الطائفة، فمات التلميذ من فوره؛ لأنه، في نفس اللحظة التي أُطلِع فيها على الحرف، تلقى وفَقَدَ كل المعاني وكل الموجودات والأشياء.. فكانت روحه إحدى تلك الأشياء التي تلقاها وفقدها معاً.

Advertisements

5 تعليقات to “حرف”

  1. Haitham Al-Sheeshany ديسمبر 17, 2014 في 9:25 م #

    شكراً للتدوينة الشيقة، أعجبتني بالفعل.

    سؤال إن أمكن: فيما يخص ترك فراغ بين حرف الواو والكلمة التي تليه من عدمه. هل هاي مسألة محسومة؟

    هل: “(و أنا) في حيرةٍ بما يتعلق بهذه الواو.” خطأ؟ أليست al4roof من أقسام الكلمة؟ ألأنه لا يكتمل المعنى إلا بإضافتها لكلمة أخرى لا يصح ترك فراغ بينها وبين ما بعدها؟

    شاكراً لك وقتك + عنايتك مسبقاً

    • جابر العثرات ديسمبر 31, 2014 في 3:12 م #

      الصواب ألا تكون هناك بين الواو وما يليها مسافة، بل تلحق الواو بالكلمة

      • Haitham Al-Sheeshany ديسمبر 31, 2014 في 3:17 م #

        شكراً جزيلاً

        “إن كان وقتك يسمح، هل لي بمصدرٍ على ذلك”

      • جابر العثرات يونيو 29, 2015 في 12:58 م #

        آسف على كل هذا التأخير، إلا أنني مهمل حقاً للمدونة خلال المدة الماضية..

        يبدو أن مسألة المسافات في حالة علامات الترقيم أو بعد حروف كالواو هي حديثة العهد نسبيا، فأنا لم أجد رأياً مرجعياً مباشراً فيها، لكني عثرت على هذه الفقرة في “مغني اللبيب” لابن هشام، وفيها يحذر المبتدئين في الإعراب، فيقول:

        “وأول ما يحترز منه المبتدئ في صناعة الإعراب ثلاثة أمور: أحدها أن يلتبس عليه الأصلي بالزائد، ومثاله أنه إذا سمع أن (ال) من علامات الأسماء، وأن أحرف (نأيت) من علامات المضارع، وأن تاء الخطاب من علامات الماضي، وأن الواو والفاء من أحرف العطف، وأن الباء واللام من أحرف الجر، وأن فعل ما لم يسمى فاعله مضموم الأول، سبق وهمه إلى أن (ألفيت) و(ألهيت) اسمان، وأن (أكرمت) و(تعلمت) مضارعان، وأن (وعظ) و(فسخ) عاطفان ومعطوفان، وأن نحو (بيت) و(بين) و(لهو) و(لعب) كل منهما جار و مجرور، وأن نحو (أدحرج)، مبني لما لم يسم فاعله.”

        طبعاً لا يرقى هذا الكلام إلى كونه قاعدة، لكنه فقط قد يُفهم منه أن مسألة وصل الواو، كمثل وصل الفاء، كانت مسألة محسومة ليست جدلية، فابن هشام يحذر هنا ’المبتدئ‘ من اللبس الناجم عنها، ضمن أوجه أخرى قد تسبب اللبس أيضاً.

        !أعتذر مرة أخرى عن كل هذا التأخير غير المبرر في الرد

  2. Haitham Al-Sheeshany يونيو 29, 2015 في 1:29 م #

    أشكرك.
    لا داعي للاعتذار أبداً. أتفهم انشغالك وأقدر أنك ما تزال تجد وقتاً للمدونة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: